في ندوة فكرية ببيت الحكمة : جامعيون يقدمون قراءات في المدونة السردية لأميرة غنيم في علاقة بالهوية والتاريخ وسحر التخييل

بيت الحكمة

نظم المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" اليوم السبت ندوة فكرية حول "السرد والتاريخ والتأويل: قراءات في أعمال أميرة غنيم".

وانطلقت هذه الندوة التي أشرف على تنظيم أشغالها رئيس فريق الحلقة التأويلية ببيت الحكمة المفكر والجامعي محمد محجوب، بجلسة علمية أولى أثثتها مداخلات تراوح بين طرح سؤال الهوية والتأريخ والسرد النسوي في أعمال أميرة غنيم من خلال نماذج روائية وهي آخر رواياتها "العظماء يموتون في أفريل" ورواية "تراب سخون".

وفي مداخلته، تطرق الأستاذ محمد الخبو في مداخلته التي حملت عنوان "الهوية القصصية في رواية "العظماء يموتون في أفريل"، مصطلح الهوية السردية كما طرحه المفكر الفرنسي بول ريكور أي في ارتباطه بعدد من المصطلحات الأخرى من بينها التشكيل القصصي والحبكة، مبينا أن تنزيل الهوية في القصص راجع للفلسفة، ف"هوية الذات ليست هوية ذات مجردة وليست الهوية النفسية إنما هي هوية الشخص يروي حياته وفي روايته تتجلى هويته"، وهي لا تدرك بصفة ذهنية وانما تتجسد في ما يقوم به من أعمال وأقوال.

ويتناول ريكور الهوية الروائية من خلال الهوية الشخصية التي ترتبط أساسا بالسمات القارة في الشخص والتي لا تتغير بالزمن، وفي مستو ثان بهوية الآنية وهي الوجه الثاني عند قراءة هوية الشخص من خلال مسيرته وما يطرأ على السيرورة الزمنية من تغيرات، فالهوية القصصية قائمة على توافق الاحداث وتخالفها أيضا (العراقيل التي تحول وجهة الحياة). وترتبط هذه الهوية بما يتأوله القارئ من وجوه الهوية كما ترتبط بقناعات القارئ.

وفي رواية "العظماء يموتون في أفريل"، يمكن استخلاص عدد من الهويات بدءا بالطابع السيري الذي تبينه درجات السرد بدرجتين الأولى ما يقوله الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة عن نفسه والدرجة الثانية ما يقولوه الاخرون عنه، إذ يمكن اعتبار هذه الرواية سيرة روائية.

وفي هذا السياق بين الخبو، أستاذ التعليم العالي بجامعة صفاقس، والمختص في الأدب العربي والسرديات، أن الطريف أن الكاتبة لم تترك المجال للزعيم للتكلم وحده وانما اعتمدت ايضا ضمير الغائب وهو ما يجعل الرواية تجمع بين جنسي السيرة والسيرة الذاتية، واصفا أميرة غنيم بأنها "لاعبة ماهرة في مجال تشكيل الرواية".

كما أشار الباحث إلى بداية الرواية ونهايتها حيث تنطلق من نهاية حياة بورقيبة أي "حين أصبح على هامش التاريخ"، وتختتم بالحدث ذاته، وبين البداية و النهاية تتالى الفصول ليحكي الزعيم مساره منذ ولادته وحتى وفاته. وتتميز الرواية حسب الخبو باعتماد أسلوب التوافق المتخالف هو ما يميز شخصية الحبيب بورقيبة فالراوية ارادت ان تجعل رجل السياسة عاشقا.

أما الهوية الثانية التي تطرق لها الخبو، فهي هوية الرواية أو هوية الفعل السردي حيث كان الزعيم في روايته يحكي ثغرات نضاله ويركز على الفترات الصعبة ويستهويه ان يحكي على ذاته المتعالية، وهي احالة تحمل الكثير من ذاتية السرد أي من ذاتية الروائية.

وتطرق الباحث إلى هوية ثالثة وهي هوية "المروي له" فغنيم تخاطب ثلاثة أصناف من القراء وهم، من تنكروا لبورقيبة ومن يعشقون بورقيبة وثالثا من يجرؤون على بورقيبة ويكفرونه.

أما المؤرخ التونسي عبد الجليل بوقرة فقد اختار في مداخلته التي تحمل عنوان "عندما يطرق الروائي باب التاريخ"، التركيز في قراءته على رواية "تراب سخون" وشخصية وسيلة بورقيبة وذلك من منطلق اهتمامه بهذه الشخصية في ظل قلة الكتابات حولها رغم دورها المحوري والسياسي في تاريخ البلاد فضلا عن سبب جندري يتمثل في السعي إلى قراءة كيفية كتابة امرأة عن امرأة أخرى وفق تصريحه.

وتطرق بوقرة في مداخلته إلى حدود العلاقة بين الأدب والتاريخ ومدى إلزامية الروائي بنقل الحقائق التاريخية، أو التصرف بالحذف والإضافة مستخلصا أن السرد التاريخي يفترض الموضوعية لأن ضالة المؤرخ تبقى دائما البحث عن الحقيقة لكن السرد الأدبي يهدف إلى تمرير رسائل والدفاع عن موقف ما.

وأشار بوقرة أستاذ التاريخ المعاصر والمتخصص في تاريخ تونس السياسي والاجتماعي أثناء الحكم البورقيبي (1956- 1987)، إلى أن رواية "تراب سخون" تشتغل على ما يسمى "تاريخ الظل" بماهو مصطلح يهتم بالتفاصيل التي تغافل عنها المؤرخون، مذكرا بعدد من المصادر التي كان يمكن أن تستثمرها الروائية في طرحها للتفاصيل التاريخية التي تستوجب في بعض تفاصيلها التدقيق من بينها كتاب محاضرات بورقيبة في معهد الصحافة وعلوم الإخبار الذي يجمع مختلف محاضرات بورقيبة عن تاريخ الحركة الوطنية.

وقدم بوقرة مقارنة بين كتاب الشاعرة والطبيبة الفرنسية "جاكلين غاسبار" "حوارات مع وسيلة بورقيبة في قرطاج: من نوفمبر 1972 إلى مارس 1973" والصادر بالفرنسية سنة 2012، للفت النظر إلى بعض التفاصيل الهامة التي ركزت عليها هذه الكاتبة الفرنسية والتي كان يمكن للروائية الاستفادة منها.

واعتبر أن أميرة غنيم طرقت باب التاريخ في مختلف مراحله وقد تجرأت على تاريخ الزمن الراهن وهي مسألة رائدة في الكتابة.

واختتم بوقرة الباحث في التاريخ بالمعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر بجامعة منوبة، مداخلته بالإشارة إلى تهميش التاريخ عبر العصور، فالتاريخ بقي محل تجاذبات على مدار الزمن فقديما ازدهرت الاسطورة وانتصرت على التاريخ، لأن "التاريخ يجرح والأسطورة تداوي" وفق تعبيره، وفي العصر الحديث ظهر الادب وازدهرت الرواية التاريخية لأنها قادرة على تعويض ما لا يمكن قوله في النص التاريخي، قائلا "حاليا التاريخ يجرح والرواية والسينما والمسرح يداوي".

وخلافا لعبد الجليل بوقرة، اختارت الجامعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس دليلة شقرون في مداخلتها التي تحمل عنوان "السرد النسوي بين هاجس التوثيق وسحر التخييل" من خلال ثلاثية أميرة غنيم ("نازلة دار الأكابر" و"تراب سخون" و"العظماء يموتون في أفريل")، التركيز على إبراز الجوانب الجمالية التقنية لرواية "تراب سخون"، معتبرة أن غنيم "روائية لها هوية خاصة تتجلى من خلال الخيط الناظم بين كل ما كتبت".

وأشارت الباحثة في مداخلتها إلى ما تتضمنه أعمال أميرة غنيم من مضامين تنهل من التاريخ ولإبراز مسارات زعماء من تاريخ تونس الحديثة على غرار الطاهر الحداد والحبيب بورقيبة، وكأن هاجسها أن تحمي هؤلاء الزعماء من النسيان وأن تحفظ الذاكرة، فأميرة غنيم، حسب الباحثة، تعود إلى الذاكرة لتثبت الهوية الحداثية التونسية من زاوية جندرية كونية تتماشى مع مقاربات السرد النسوي الذي يتجلى من خلال ما تسربه من وجهات نظر تتعاطف فيها مع النساء.

وفي قراءتها التقنية لهذه الرواية، تشير شقرون لعدد من الخصوصيات الجمالية من حيث الشكل فأول ما يشد في الرواية عتباتها وبناءها العام، إذ تشكل معمار الرواية، تشكلا طريفا يضم عتبة و8 حواشي، تمثل كل واحدة منها رسالة وكأن السرد تتابعي وامتدادي واستباقي في الآن ذاته، وتسير حركة الأحداث داخل الحواشي سيرا متعرجا لذلك بدى البناء مركبا ومعقدا.

ويبرز في الرواية طابع فوضوي سطحيا، يُخفي حبكة جيدة ليؤدي إلى المعنى، وأولى العتبات في هذه الرواية العنوان وهو حمال أوجه فكل الرواية عبارة عن حمم بركانية تثير كل امرأة تفكر، هي رواية ساخنة حتى الوصف الذي عادة ما يبرد حرارة السرد لم يكن باردا بل كان وصفا يمنع عنك الهدوء والرتابة

وتحدثت دليلة شقرون الأستاذة المشتغلة بنظرية التطريس، عن التطريس في أعمال أميرة غنيم، مبينة أن من أهم مميزات الرواية احتواءها على الاستشهادات والاقتباسات التاريخية من بينها الأغاني الشعبية وغيرها، فهي روايات تقوم على "التطريس" وهو تقنية أدبية تعني "الكتابة على نصوص ممحوة" (Palimpsest). ويعتبر النص الروائي نصاً تطريسياً بامتياز، لأنه يعتمد على تداخل النصوص، والقطع، والإلصاق، وتركيب عوالم جديدة عبر استلهام وتعديل نصوص وتواريخ وأحداث سابقة، لخلق سرد مركب ومتعدد الأصوات.

واختتمت الجلسة العلمية الأولى بنقاش ثري تطرق خلاله الحاضرون إلى جملة من النقاط المرتبطة بفحوى المداخلات، من ذلك غياب التحليل وفقا لمقاربات السرد النسوي في مداخلة الباحثة دليلة شقرون، وأهمية طرح جانب الهوية في الروايات الإبداعية، فضلا عن ضرورة التمييز بين التأريخ بمفهومه العلمي والرواية التاريخية لما تحمله من جانب تخييلي.

وتتواصل أشغال الندوة الفكرية التي يحتضنها مجمع بيت الحكمة بقرطاج الضاحية الشمالية للعاصمة بجلسة علمية ثانية تتضمن مداخلات لكل من العادل خضر وسعيد بحيرة ومحمد محجوب ويديرها الجامعي عبد الحميد هنية، وتختتم بمداخلة للمحتفى بها، الروائية والأستاذة الجامعية أميرة غنيم.

شارك:

إشترك الأن

تونس

19° - 29°
الأحد29°
الاثنين30°
# يحلو المساء مع نادرة عطية #
 Radio RTCI
SAMEDI TOUT
الصالون الثقافي
 إذاعة الزيتونة
cool time
إذاعة المنستير
شباب +
مسيكم بالخير
ويكاند عالكيف
إذاعة القصرين
SAMEDI TOUT

SAMEDI TOUT

15:30 - 20:00

ON AIR
# يحلو المساء مع نادرة عطية #
 Radio RTCI
SAMEDI TOUT
الصالون الثقافي
 إذاعة الزيتونة
cool time
إذاعة المنستير
شباب +
مسيكم بالخير
ويكاند عالكيف
إذاعة القصرين