في الذكرى السبعين لمجلة الأحوال الشخصية: نساء تونس بين ريادة التشريع وتحديات الواقع

 تتجه أنظار التونسيين في الـ13 من أوت بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة إلى تقييم مكاسب المرأة التونسية، حيث يتجدد الجدل القانوني والاجتماعي بين حتمية تحصين الترسانة التشريعية الرائدة وبين التحديات اليومية الصادمة على أرض الواقع. ومع حلول هذه الذكرى الوطنية، يفتح نشطاء المجتمع المدني ملف "الفجوة التشريعية"، وسط انقسام واضح في الرؤى، فبينما يرى شق ضرورة التمسك بالإطار القانوني الحالي وحمايته من أي ارتداد في ظل الحراك الاجتماعي الراهن، يصر شق آخر على أن حقوق المرأة ليست إرثا ثابتا، مطالبا بمواصلة التنقيحات "الثورية" وملاءمة النصوص مع الواقع المعيش للنساء.

 

وتكتسي مجلة الأحوال الشخصية رمزية استثنائية بالنظر إلى توقيت صدورها الذي جاء بعد أشهر قليلة من استقلال تونس (20 مارس 1956)، بل وقبل وضع دستور الجمهورية لعام 1959، مما يعكس أن إصلاح وضع المرأة كان ركيزة مبكرة في مشروع بناء الدولة الوطنية. ولم تكن المجلة مجرد تنظيم للعلاقات العائلية، بل شكلت ثورة قانونية واجتماعية فككت قواعد راسخة، حيث حظرت تعدد الزوجات، وألغت الطلاق المنفرد لتجعله حصرا بيد القضاء، واشترطت الرضا المتبادل لتأسيس مؤسسة الزواج، واضعة العلاقة الزوجية تحت مظلة القانون والعدالة.

وفي هذا السياق، صرحت هاجر الشهبي، المديرة التنفيذية للمعهد العربي لحقوق الإنسان، لوكالة تونس إفريقيا للأنباء(وات)، بأن احتفالات هذه السنة تكتسي رمزية استثنائية مع بلوغ مجلة الأحوال الشخصية عامها السبعين. وأوضحت الشهبي أن مجلة الأحوال الشخصية شكلت طفرة إصلاحية رائدة أسست للمسار التونسي الفريد في مجال حقوق المرأة، ومع ذلك، شددت على أن المنظور الحقوقي يرفض التعامل مع هذه المكاسب كمنجز نهائي أو إرث جامد، بل كحلقة ضمن مسار تاريخي مستمر يهدف إلى بلوغ المساواة الكاملة، ومناهضة التمييز، وتثبيت الكرامة الإنسانية.

وأكدت أن العبرة بالحقوق ترتبط بمدى نفاذ ممارستها واقعيا من قبل جميع النساء دون إقصاء، وليس فقط بالاعتراف القانوني بها ودعت في هذا الصدد إلى تفعيل دور المؤسسات الرسمية والسياسات العامة للدولة لضمان احترام هذه المكتسبات وحمايتها وتحويلها إلى واقع معيش.

وشددت الشهبي على أن الوفاء الحقيقي لروح المجلة لا يتحقق بالانغلاق عند حدود منجز سنة 1956، بل بمواكبة التطور، ولم تغفل في هذا الإطار الإشادة بالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة كأبرز المحطات الفاصلة التي وسعت نطاق الحماية ليشمل كل من الفضاء الخاص والعام عبر أبعاد أربعة وهي الوقاية، والحماية، والتتبع، والمساءلة. ونبهت إلى أن استمرار الممارسات العنيفة وتواتر جرائم تقتيل النساء يفرضان اليوم وبقوة مساءلة الفجوة الصادمة بين الاعتراف القانوني بالحقوق والقدرة الفعلية على حمايتها في الواقع.

ومن جهتها، شاطرت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، راضية الجربي، هذا التشخيص، مؤكدة لـ (وات) أن الترسانة القانونية الهامة لم تشفع للمرأة التونسية التمتع بكامل حقوقها على أرض الواقع.

وسلطت الجربي الضوء في هذا الصدد على ظاهرة حرمان النساء من الميراث، لافتة إلى أن المحاكم سجلت حالات سقوط هذا الحق وانتشاره بشكل لافت في المناطق الريفية، دون أن تسلم منه المدن كذلك حيث تُحرم المرأة غالبا من نصيبها بعد وفاة الأب رغم مساهمتها الفعالة في خلق الثروة الأسرية حسب تقديرها.

وأوضحت أن مجلة الأحوال الشخصية تلتزم بروح تجديدية تواجه اليوم انتكاسة في التطبيق المجتمعي. وحذرت الجربي من مظاهر تنذر بانهيار منظومة القيم الكونية بسبب "الإفلات من العقاب" وتنامي الحراك الرجعي، مستحضرة عودة "الزواج العرفي" كظاهرة مرصودة تضرب مكتسبات المرأة، فضلا عن سلعنة مؤسسة الزواج والتباهي بالمهر على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي ذات السياق الحقوقي، أفادت رئيسة فرع الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بالقيروان، ليليا علويني، لـ (وات)، بأن المواطنة تظل منقوصة ما لم تسندها بيئة تشريعية تضمن المساواة الكاملة، مقرة بوجود قطيعة حادة بين النصوص والممارسات الميدانية التي تغذيها الهيمنة الذكورية.

وتترجم لغة الأرقام الرسمية الصادمة هذا الواقع، حيث تشير إحصائيات وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن لسنة 2025، إلى أن الخط الأخضر (1899) المخصص لضحايا العنف تلقى 7397 إشعارا، من بينها 4485 حالة عنف مسلط ضد النساء، وهو ما يمثل 60.6 بالمائة من إجمالي الإشعارات.

وأكدت علويني وجود مقاومة رجعية وصفتها بـ"الكريهة" لمكتسبات المرأة التونسية، تمثلت في تعالي أصوات تنادي بتعدد الزوجات، وهي دعوات تبناها بعض نواب الشعب داخل البرلمان. ورغم وصفها لهذه الحالات بالمنعزلة والشاذة، فقد دعت إلى ضرورة التعبئة لترسيخ المشروع الحداثي التونسي المبني على ثقافة المساواة، ودعم الدور الريادي للمرأة داخل الأسرة والمجتمع عبر استلهام التجربة التاريخية لمجلة الأحوال الشخصية، للبناء عليها من خلال دعم تحسين نسب تمدرس الفتيات، وتطوير الفرص التكوينية، وتعزيز مكانة المرأة التونسية في مجالات البحث العلمي.

ونبّهت الشهبي (المعهد العربي لحقوق الانسان) إلى أن مواجهة العنف تستوجب سياسات عمومية تقاوم أسبابه البنيوية، كالفوارق الاقتصادية، والصور النمطية، وعلاقات القوة غير المتكافئة. وحذرت من اتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية للنساء وضيق فرص نفاذهن إلى العمل اللائق، لاسيما مع بروز تهديدات مستحدثة كـ "العنف الرقمي" الذي يتطلب مراجعة تشريعية صارمة تضمن الموازنة الحكيمة بين الحماية والخصوصية وحرية التعبير.

وشددت على أن المساواة أمام القانون تظل منقوصة ما لم تقترن بالمساواة في الواقع المعيش، فالمشاركة في الحياة العامة تفقد قيمتها إذا ظلت المرأة عرضة للتشهير، ولا تكتمل الاستقلالية القانونية دون تمكين اقتصادي فعلي ينفي التمييز في النفاذ إلى الموارد والملكية والإرث.

وأكدت الشهبي على أن حقوق النساء ليست مجرد ملف قطاعي أو قضية معزولة تخص النساء وحدهن، بل هي جزء عضوي من منظومة حقوق الإنسان الشاملة، والمؤشر الحقيقي والأبرز على مدى احترام دولة القانون وقدرتها على ضمان الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية لجميع مواطناتها ومواطنيها على حد سواء.

شارك:

إشترك الأن

تونس

27° - 35°
الجمعة34°
السبت37°
< لمة صيف >
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
مرافىء الفنون
صيفك على كيفك
أصايل
لمة صيف

لمة صيف

17:00 - 19:30

ON AIR
< لمة صيف >
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
مرافىء الفنون
صيفك على كيفك
أصايل